مدونة حمود الباهلي

لماذا لم أغضب من ماريا؟

١٩ أكتوبر ٢٠٢٢

 

اعتاد معهد اللغة الذي درست فيه بسدني أن يرتب أسبوعياِ زيارتين إلى حانات مختلفة، يومي الثلاثاء والجمعة، يحصل الطلاب على خصم عشرين بالمئة، وهي صفقة مناسبة لجميع الأطراف، تضمن للحانة زبائن، ويحصل الطلاب على القليل من الخصم والكثير من الرقص، وتُعتبر أداة تسويقية للمعهد بأنه لا يُدرس الإنجليزية فحسب بل يقدم المتعة أيضاً.

 

سألني مدرس اللغة مارك لماذا لا أحضر معهم؟ قلت: لا أشرب الخمر وسوف أبدو ثقيلاً، فأنا بطبعي هادئ، فكيف سوف أكون بين سكارى؟

يبدو أنني أثرت شفقته (صعبت عليه كما يقول المصريون) اقترح على الطلاب أن نتعشى في مطعم فاخر يطل على الدارلنج هاربر(الترجمة العربية له ميناء الحب) وافق الطلاب.

 

ذهبت إلى المطعم مبكراً لأتفحص المكان وقائمة الطعام، فهي تجربة جديدة بالنسبة لي ولم أكن أرغب في ارتكاب خطأ، لكن كما قيل لا يغني حذر من قدر.

 

 حجز المدرس طاولة طويلة، سألت النادلة أي الأماكن أفضل؟ قالت: الأفضل أن تجلس بجانب رأس الطاولة، سوف تضمن أن تتحدث مع من يجلس في رأس الطاولة، كما تعلمون من عيوب الطاولات الطويلة في المطاعم أن الصوت لا يُسمع بسهولة، قد تجد نفسك ضائعاً، اختيار المكان و أيضاً من يجلس بجانبك، أمر  مهم.

 

جلستُ كما اقترحت على، ثم جاءت ماريا هي فتاة أسبانية مليحة وجلست أمامي! تقول العرب عن المليحة، هي مرة تراها فيه، تزداد جمالا في نظرك، فكنت أرى ماريا تزداد حلاوة كل يوم.

فقلت في نفسي سوف تكون وجبة عشاء ممتعة.

 أخبرتني ماريا عن موقف سخيف حصل لها في الليلة الماضية، فقد ذهبت إلى ملهى ليلي وطلبوا منها إثبات أن عمرها فوق 18، ثم أردفت أنا من الواضح أن عمري فوق الثلاثين، فكيف يقول نحتاج إثبات العمر؟

قلت كأي شاب مهذب: معقول!! عمرك فوق الثلاثين؟ كنت أظنك في بداية العشرينيات! 

ردت والابتسامة تحلو محياها: كذبة حلوة!

ثم توافد الطلاب، للأسف لم تنجح الخطة، فقد جلس في رأس الطاولة شاب برتغالي، فكان يتحدث مع ماريا لا أدري بالإسبانية أو البرتغالية لكن بالتأكيد لم تكن الانجليزية، أمضيت معظم جلسة العشاء وحيداً، لذلك أشفق على من يظن أن وضع الخطط كفيل بنجاحها.

 

طلب المدرس أن يتبرع أحدنا بالالتقاط صورة جماعية لنا، لم يتقدم أحد، قال ماركوس وهو شاب برازيلي: حمود لديه لمسة فنية، لم لا يصورنا؟

بالطبع ليس لي لمسة فنية، لماذا اختارني ماركوس؟ أكمل بقية الحديث وسوف تعلم.

تقدمت وأخذت الكاميرا، لم أستعمل الكاميرا من قبل في حياتي، ما أعرفه عنها هو ما أشاهده في الأفلام، يوجد زر على اليمين عادة ما يكون أزرقاً، تضغطه وتنتهي المهمة.

أخذت الكاميرا ثم وقف الطلاب وكل واحد يبتسم واستغل الشباب الفرصة، كل واحد منهم وضع يده على خصر فتاة بجانبه، ثم وضعت أمام عيني الكاميرا لأخذ الصورة، صرخ ماركوس: حمود! ماذا تفعل؟!! أنت تمسك الكاميرا بالمقلوب!

ضحك الجميع بلا استثناء وأكثر من ضحك المليحة مارياَ.

 قالت ماريا: لم أضحك مثل هذا الضحك لسنوات.

لم أعتب عليها، فالنجديون يقولون: ” المملوح مرحوم”

 

تحدثنا عن أنواع الأكل، طلبت ماريا والشاب البرتغالي لحم التمساح و قال أن طعمه مثل طعم الدجاج، وحدثتهم عن مطاعم في سدني تقدم برجر بلحم الإبل.

القبول الاجتماعي قيمة عليا بالنسبة لي، فأحب أن أتصرف كما يفترض أن أتصرف، لذلك وجدت حرجاً عندما شرب الجميع مشروبات كحولية ما عداي، كانوا يتبدلون النخب.

 

كان معنا شاب برازيلي آخر وسيم اسمه “دالاس” يقبل الفتيات خلال الجلسة بصورة ملفتة جداً، لما جاء وقت الدفع لم يكن معنا، فقد ذهب إلى دورة المياه ليتقيأ، قيل إنه شرب كثيراً ومعدته خاوية.

 قال ماركوس: لا نريد دالاس وإنما نريد محفظته، أيضا كان معنا شابة فرنسية جاءت بعشيقها للعشاء، اختفيا عند الحساب، فقال: ماركوس: ابحثوا عنهما في زاوية مظلمة!

دفع المعلم مارك الفاتورة كاملة، وأعطاه الموجودون مبالغ نقدية كل حسب ما طلب، لما خرجنا من المطعم، قال لي مارك وقد ذهبنا سوياً إلى مقهى بعد العشاء: بقي 24 دولاراً ناقصة.

 

جربت هذا النوع من الدعوات، وأقصد بها الاجتماع مع غرباء في مطعم، يحصل كثيراً أن يتهرب بعضهم من دفع كامل المبلغ، مثلا يكون المبلغ المستحق عليه 30 دولارا، يدفع فقط 28، باعتبار أن هذا فارق المبلغ زهيد، لكن تكرر هذا التصرف من أكثر من شخص، يجعل المبلغ المتراكم كبيراً.

 

أخبرني مارك أن الموقف الذي حصل من قلب الكاميرا، قد حصل في مسلسل لاري ديفيد ولكن أعلم بهذا الممثل من قبل، أعطاني مارك فيما بعد أول ستة مواسم من المسلسل، وقد أعجبني كثيراً.

جوهر الكوميديا في كتابات لاري ديفيد أن الشخصية تتصرف بعكس ما يُفترض منها، مثلا يقدم شخص اعتذاراً لآخر، فيرد الاخر بأن صيغة الاعتذار لا تكفي، فيسترجع الأول اعتذاره، كلا التصرفين خارجين عن المألوف الاجتماعي.

 لا يستظرف البعض هذا النوع، لكني أجده ممتعاً.

 

حكي لي مارك من قبل قصة حبه لفتاة فتاة عراقية مهاجرة من طائفة الصابئة، كان يسمعني أغاني عراقية، واتفقا على الزواج، لكن أخبرني مارك في المقهى أن علاقتهما وصلت لطريق مسدود، فقد رفض أهلها ارتباطها به، يخشون أن زواجها منه، قد يفتت تماسك مجتمع الصابئة في سدني، فالصابئة كما فهمت من مارك هربوا من العراق بسبب مضايقات مجموعات شيعية متشددة في الجنوب، عندما وصلوا إلى سدني، تصوروا أن انكفاءهم على بعضهم هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على تراثهم الديني والثقافي.

وأخبرني مارك أنه عازم للذهاب إلى بولندا، فقد وجد فرصة وظيفية هناك ويريد أن يبتعد عما يذكره بحبيبته.

كان هذا يوم الأربعاء، لما دخلت إلى الفصل يوم الخميس وجدت ماركوس ودلاس واقفين أمام الطلاب، أخذ ماركوس بيد دالاس وقال للطلاب: إياكم أن تكونوا مثل دالاس إنه نموذج للولد الشقي.

أما حمود فهو نموذج للولد الذي يسمع كلام أمه.

ثم وضع ماركوس يده على كتفي وقال: لا عليك يا حمود، بالنسبة لموقف الكاميرا فقد حصل لي نفس الموقف، لكن بعد أن شربت كأسين من النبيذ، وضحك الطلاب مجدداً بمن فيهم ماريا.



حمود الباهلي

حمود الباهلي - معد بودكاست لمحات. مهتم بالتاريخ والكتابة والسرد القصصي.