مدونة حمود الباهلي

لعنة الله على المستبد المستنير

٠٨ يونيو ٢٠٢٢

انضممتُ مؤخراً إلى مجموعة ثقافية لها عدة فروع بمدن المملكة، وكانت الفكرة أن أعضاء كل مدينة، يديرون متلقياتهم، بطريقتهم الخاصة.

كان هذا في البداية، لكن كما لا يخفي عليكم الطابع العربي في الادارة، فقد تدخل بعض سكان المدن الأخرى في إدارة ندواتنا الثقافية.

سألت واحداً منهم، ألم يكن الاتفاق بيننا، أن ندير شؤونا الخاصة؟ عن طريق الاستفتاء الداخلي؟ وينفذ رأي الأغلبية؟ بأي حق يفرض أناس لا يسكنون معنا في نفس المدينة ولا يحضرون ندواتنا الثقافية، آراءهم علينا؟

قال لي بالحرف الواحد: ” الناس ما تعرف مصلحتهاَ”

أتحدث هنا عن عضو مؤسس لمجموعة ثقافية، جوهر نشاطها مناقشة الكتب، فتأمل!

لا يمكن عزل سلوك هذا المثقف عن البيئة التي يعيش بها، معظم من لديهم صلاحيات، لا يفكرون في استطلاع رأي من يقع عليهم عبء قراراتهم، ما يهم هو أن تنقذ آرائهم، مثلا موظف في المرتبة الرابعة عشرة بوزارة الشؤون الاسلامية يسكن في شمال الرياض، يحدد من خلال تعاميم إدارية: متى يسمح بإقامة حلقات قرآن في جميع المساجد المملكة، والمدة الزمنية بين الآذان والإقامة” و أي إمام يرفض، فإنه يطوى قيده، (هكذا).

لا توجد لجنة مكونة من أعضاء المسجد، تتشاور في الإجراءات المناسبة للمسجد؟ فيكون لك مسجد قراراته الملائمة له؟

لا يؤخذ برأي المواطن في نوعية الترفيه الذي يقدم له، تنظيم الحي الذي يسكنه، إدارة المسجد الذي يصلي به، الخدمات الصحية التي يستفيد منها.

المضحك عندما يفرض رأي ما، لأن المجتمع ظلامي وبحاجه إلى قائد ينير طريقه، جمعني مجلس مع صديق فاضل في معرض الكتاب بالجبيل، جرى الحديث عن المعرفة والتنوير، وهي موضوعات متداولة في معرض الكتاب.

فاجأني أنه معجب بسياسي عربي راحل، يصفه بأنه تنويري بامتياز، فقد فرض التنوير على شعبه، قلت له لكنه مستبد؟ قال: هو المستبد المستنير!

لا يمكن في نظري الجمع بين هاتين الصفتين: جوهر التنوير هو الانفتاح على الأفكار الجديدة وتقبل المختلفين عنك وهذا يتناقض مع الاستبداد.

نجح التنوير في أوروبا لأنه لم يفرض من الأعلى، بدأ التنوير مع الطبقة المتعلمة ثم انتقل إلى الطبقات الأخرى، حتى أصبح هو رأي الأغلبية في المجتمع والبرلمان، علماً أني لا أقصد هنا بالتنوير أفكار عصر القرن الثامن عشر ميلادي، وإنما أقصد بها طريقة في التفكير لا ترفض الفكرة لأنها جديدة، تمنح مساحة قانونية وفكرية للمختلفين عنها.

وفشلت كل محاولات التنوير في الوطن العربي، لأنها ركزت على فرض أفكار معينة ولم تركز على آلية تفكير منفتحة.



حمود الباهلي

حمود الباهلي - معد بودكاست لمحات. مهتم بالتاريخ والكتابة والسرد القصصي.