مدونة حمود الباهلي

تفاؤل - قصة قصيرة

٠٧ يونيو ٢٠٢٣

تصعد ناني سيارة العائلة، تلمح شاشة الجوال، إنها  10:14 مساء، تعبس قليلا ..

 

رتبت جدولها أن تتحدث مع أختها فيرا في الفلبين أون لاين 10:30، لدى فيرا مقابلة وظيفية غداً للعمل في مستوصف سعودي كممرضة، تريد أن تعطيها بعض النصائح حول الثقافة السعودية، ليس لديها الكثير، خبرتها لا تتعدى العمل في المنازل كمربية أطفال، لكن تود أن تعزز من ثقة أختها، تقلل من رهبة المقابلة.

لكن خربت هذه الطلعة المفاجئة!

أليس لدى الحق أن يكون لي وقت خاص في اليوم!

*

يوجه الأب نظره نحو مرآة السائق : ثم يتحدث:

:  شكل (الفنسا) ما تبي تطلع معنا.

: تحمد ربها، من تلقى عائلة تطلعها معها للحديقة.

: وجهها معبس.

: مالك دخل!

:وش بك يا مرة!

:الحين تشوف الوجه، بكره تشوف شيء ثاني!

 

يضحك الأب،،

: ليت هذا الحرص عليها، يكون نصفه لي.

*

 

تتظاهر ناني أنها لم تفهم حديثهم، هذه واحدة من النصائح التي سوف تقولها لأختها، تظاهري أنك لا تفهمين الكلام السلبي عنك بالعربي خلال المقابلة و في العمل.

 

يستمتع العرب بأن يسخروا من جهل الآخرين بلغتهم، أيضا نحن نسخر منهم بطريقتنا الخاصة!

 

وجدت صعوبة في البداية، إذا سمعتهم يتحدثون عنها سلبياً، لم تكن قادرة على تكتم مشاعرها، لكن مع الوقت تحسنت المهارة، وجدت التظاهر بالجهل يجعل الموقف مضحكاً لها، ما أجمل أن تخدع من يخدعك!

 

 

تنظر إلى أصبع الخنصر في  اليد اليسرى، ، تتذكر وعدها  لفيراند، بلن تقترن بأحد سواه، فهو حبها الأول والأخير.

تعرفت إليه في الكنيسة، في قداس الأحد، شاب متدين و ظريف،،
يعتني بجسمه،  يمارس الرياضة ليس مثل  …ثم تلمح الأب.

*

تقف السيارة عند حديقة، لا تميز ناني الأيام منذ قدمت هنا، كل الأيام متشابهة في نظرها، لا يوجد قداس يوم الأحد، أو لقاء العائلة يوم الخميس.

كل يوم هو نسخة من الأيام الأخرى.

 لكن خلو الحديقة يشير إلى أن اليوم في وسط الأسبوع.

 

: ناني، انتبهي للعيال.

: أوك ماما.

 

تسير الزوجة بعباءتها السوداء مع زوجها بثوبه الأبيض، يعاني كلاهما من السمنة، منظرهما وهما يسيران معا، كأنهما كورتان تتدحرجان: بيضاء وسوداء.

 

تجلس معهم، ولدان وبنت، قدمت للسعودية كمربية أطفال، كانت فرحة، فهي تحب الأطفال كثيراً، من لا يحب الأطفال؟ كائنات بريئة، لكن هؤلاء ليسوا أطفالا، إنهم شياطين!

لا يكفون عن العراك صباحا أو مساء، داخل البيت أو خارجه.

 

تغيرت لديها قناعات كثيرة منذ قدمت السعودية.

 

بعد مضي ربع ساعة مع الشياطين الصغار، ترى مرجيحة قريبة منها، بها ثلاثة مقاعد خاوية، تجلس على واحد منها وتتمرجح.، تغمض عينيها، يذهب خيالها بعيداً، بعيداً في المكان وبعيداً في الزمان.

تتذكر عندما كانت صغيرة و هي تلهو بالمرجيحة مع أختها الصغرى فيرا.

كانتا تتنافسان أيهما تكون الأعلى في اللعب.

اللهو بالمرجحية لم يكن مجرد لهو، بل حديث مفتوح عن الآمال.

 

حلمتا أن تكونا ممرضتين، أقرب الوظائف المعاصرة لتعليم السيد المسيح كما يقول الكاهن في الكنيسة.

تلبسان البياض، تقدما الخدمة الإنسانية للمرضى، وتنشرا رسالة المسيح.

 

*

: وجع يا ناني، تاركتن العيال وجالسة تلعبين! وش هالدلع!

أنت جاية مربية و لا فيزا سياحية هنا!

 

: وت ذا شيت

امتقع لون وجه ناني،،

 

: سوري ماما، سوري ثم  تنزل من المرجيحة وتتوجه نحوهم.

: سرسرة تأخذ قلبك يالكلبة.

 

 

تجلس ناني مع الأطفال و  تنخرط في اللعب معهم، تجبر وجهها على رسم ابتسامة و هي تقول في نفسها: لن تسرقي مني تفاؤلي .



حمود الباهلي

حمود الباهلي - معد بودكاست لمحات. مهتم بالتاريخ والكتابة والسرد القصصي.